|
أن من الصفات الكمالية هي الغنى ، وهي من
الصفات الذاتية لله تعالى ، أن الثروة والأموال لا توجب الغنى . بل
تجعل النفس فقيرة فتجعلها تطلب أكثر من التعمير الملك والدنيا ،
أما الحاجة القلبية والفقر الروحي هو نفس التعلق بتلك الأمور
والتوجه أليها هو الفقر. أن الموجودات جميعا باختلاف مراتبها
ودرجاتها فقيرة ومحتاجة إلى الغنى بالذات فلو أخذنا مثلا الأثرياء
وان ظهروا بمظهر الغنى ، ولكن بالتمعن يتبين حاجتهم تتضاعف على قدر
زيادة ثرواتهم وأموالهم ، وبقدر ما انشغلوا بالدنيا ، الله يورث
فيهم الفقر كما جاء في الحديث القدسي : أن لا تفرغ لعبادتي أملا
قلبك شغلا بالدنيا ثم لا أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك . وعكس ذلك من
وضع الدنيا بما فيها خلفه بدل الله فقره إلى غنى . قال تعالى : ( يا
أيها الناس انتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) .
وهكذا الله عز وجل يزيده غنى كلما استغني عن غير الله بحيث يصل
استغنائه إلى درجة انه يرى ملك سليمان (ع) ولا يرى له قيمة . يقول
أمير المؤمنين (ع) لابن عباس : ( وان دنياكم عندي لأهون من ورقة في
فم جرادة تقضمها ) . ويقول الأمام علي ابن الحسين (ع) : ( استنكف
أن
اطلب الدنيا من خالقها فكيف بطلبها
من مخلوق مثلي ) عندما يعطي الإنسان قلبه إلى صاحبه الحقيقي سيتجلى
فيه صاحبه الغني المطلق . فيغرق القلب في بحر العزة والغنى كما جاء
في قوله تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) ، ويغلق باب
الفقر نهائيا ليستغنى عن العالمين كما ورد في الحديث القدسي : (
وانه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي
يسمع به وبصره الذي يبصر بهو لسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش
بها ) وجاء أيضا ( عبدي اطعني تكن مثلي تقل لشيء كن فيكون ) .
فالعبادة باب من أبواب العناية الإلهية التي نهتدي بنورها للوصول
إلى منبع الكمال وهذه كبرى ، أن العبادات بصورة عالمة جاءت من اجل
أصلاح الأنفس وسلامة القلوب وبذلك تتحقق سعادة الإنسانية المادية
والروحية المطلقة في العالمين . فعلى كل عاقل أن يتفكر في عواقب
الأمور . و يرى أن الدنيا فانية ويخشى سرعة الآجل ، لأنه يعلم أن
الأيمان والعمل الصالح أسس السعادة الأبدية التي لا يمكن اكتسابها
إلا في هذا العالم وبعد الموت يطوي سجل أعماله . ( حتى أذا جاء
احدهم الموت قال : ( رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت ) ولكن
الغالبية العظمى من الناس من يشتغل بأمور الدنيا وينسى الواجبات
التي فرضها الله عليه وحينئذ يسمى غافلا ، وليس فقط من ينسى
الواجبات الإلهية تطلق عليه كلمة الغفلة بل التسامح واللامبالاة
والجهل أيضا ، فيجب صحوة الضمير والانتباه والفطنة والالتزام بما
أمر الله لتغير نحو الأفضل ....
|