رؤية السيد الحكيم في المرجعية  

رؤية شهيد المحراب (قده) السيد الحكيم في المرجعية الدينية ومقارنتها بالمرجعية الدينية السياسية

يمكن أن نتصور الواجبات العامة التي تتحملها المرجعية الدينية الفقهية في الخطوط الآتية :

أ- التصور الإسلامي والفقه الديني في القضايا العقائدية والفكرية والثقافية ذات العلاقة بتوضيح النظرية الإسلامية .

ب- تقدّم الحكم الشرعي الإلهي في أعمال وسلوك الأفراد والجماعات والعلاقات .

ج- القيام بمهمة التعليم الديني والتثقيف العام للمؤمنين ووضع المناهج العامة لذلك .

د- إدارة الحوزات العلمية والمؤسسات الثقافية التابعة لها .

وإما الواجبات العامة التي تتحملها المرجعية الدينية السياسية فيمكن افتراضها ضمن الخطوط الآتية:

أ‌-             تقديم التصور الإسلامي عن الرؤى والتحليلات السياسية والاجتماعية للأحداث ولموقف الأعداء والأصدقاء .

ب‌-       التعبئة الروحية والمعنوية والسياسية في الحركة السياسية وفي المواجهة مع الأعداء .

ج- تشخيص المصالح السياسية العامة للأمة وضمن الساحة التي تتحرك فيها المرجعية السياسية وأولويات هذه المصالح والأهم والمهم منها , وتحديد الخطوط العامة لحركة الجماعة الصالحة على ضوئها ,وكذلك تشخيص الأهداف المرحلية والبعيدة .

د- إعطاء واتخاذ المواقف التفصيلية للحركة وتنظيمها على ضوء الإمكانات والقدرة .

ه- تهيئة الإمكانات وأسباب القدرة في الحركة السياسية وتشخيصها .

وأما الحقوق :

فيمكن أن نتصورها في المرجعية الدينية الفقهية بصورة إجمالية في النقاط الاتية :

أ‌-             الرجوع إليها في أخذ الحكم الشرعي والفكر الإسلامي الصحيح .

ب‌-       الالتزام بإرشاداتها وهديها في مهمة التعليم والتثقيف والتزكية .

 

ج- مساعدتها على أداء واجباتها برفدها بالأموال والحقوق الشرعية وبالأفراد الدارسين والمتعلمين في الحوزات العلمية .

د- المحافظة على استقلالها ومؤسساتها الدينية واسنادها في ذلك .

ونتصورها في المرجعية الدينية السياسية بصورة اجمالية في النقاط الآتية :

أ‌-              الالتزام بالمواقف والطاعة للقرارات الإلزامية التي تتخذها في شؤون الحركة السياسية .

ب-المشاركة والمساهمة في التعبئة الروحية والمعنوية والسياسية وفي تنظيم الحركة ومؤسساتها ونشاطاتها .

ج- تقديم الدعم والامكانات المالية لهذه الحركة بتخصيص جانب من الحقوق الشرعية والهبات وتوفير الموارد الاقتصادية لها.

  د- أدامة الارتباط والعلاقة عن طريق الاتصال المباشر بالمرجعية السياسية وعن طريق الاتصال بالوكلاء والمكاتب والمراكز المعتمَدة .

 أما الشروط العامة التي تُشترط في المرجعية الدينية السياسية هي الشروط العامة نفسها التي نشترطها في المرجعية الدينية الشرعية كالاجتهاد ,والعدالة العالية ,والخبرة في الشؤون ذات العلاقة بالواجبات والحقوق ,والكفاءة الشخصية في إدارة المهمات والمسؤوليات العامة .

وعلى هذا الأساس لابد أن نلتفت إلى أنّ الأعلمية التي نشترطها في المرجعية الدينية في الفتيا وإن كانت تشترط في المرجعية الاجتماعية السياسية أيضا ً , ولكنها تختلف في المرجعية الفقهية عن المرجعية السياسية ,فإنها في المرجعية الفقهية هي الأعلمية في القدرة على استنباط الأحكام الشرعية والكشف عنها ومعرفة أولويات الأهم والمهم فيها ,وأما في المرجعية السياسية فهي الأعلمية في معرفة المصالح والمفاسد الاجتماعية وأولويات الأهم والمهم فيها من حيث الكم والكيف والطرق والأساليب التي لابد من الالتزام بها لاقامة الحق والعدل والمعروف بين الناس ومقاومة الظلم والطغيان ومعرفة الموقف السياسي و(التصدي ) لبيانه ومقاومة الانحراف والمنكر.

  وبذلك يُصبح التصدي للعمل السياسي ولبيان المواقف العملية والعمل الجاد من أجل تجسيدها خارجيا من الشروط المهمة في المرجعية الدينية السياسية .وشأن التصدي للعمل السياسي هنا شأن التصدي للفتوى ,فكما إذا لم يصدر المرجع الفقهي للفتوى لايمكن الرجوع إليه بل يتم الرجوع إلى غيره حتى لو كان المتصدي غير الأعلم كذلك إذا لم يتصد المرجع السياسي للعمل السياسي بأبعاده الثلاثة المذكورة آنفا فلا يصح الرجوع إليه ,بل لابد من الرجوع إلى المتصدي حتى لو كان غير الأعلم فقهيا ً أو غير الأعلم سياسيا ً .

كما أن الأعلمية المذكورة لما كانت تعتمد على المعلومات والمصادر ودقتها ,وأجهزة المشورة السياسية والتمحيص والتحليل ,يصبح توفر هذا الشرط من الشروط المهمة في تشخيص الأعلمية ,فإن من يملك من المراجع الدينيين السياسيين  مثل هذه المصادر والأجهزة يكون ذلك سببا للترجيح في الأعلمية .

إذن إذا كانت المهمةالأساسية للمرجعية الدينية السياسية هي تشخيص المصالح والمفاسد الاجتماعية العامة واتخاذ الموقف منها ,فلماذا نشترط فيها الاجتهاد في العلوم الشرعية مع  أن هذا

العمل هو قبيل تشخيص الموضوعات الخارجية ولايشترط فيه الاجتهاد ,فهل يمكن الاكتفاء في المرجع السياسي أن يكون مقلدا لمجتهد آخر؟ .

لمناقشة ذلك نطرح جملة من الملاحظات :

أولا ً:

أن المرجعية الدينية السياسة بحسب مضمونها الديني هي قيادة وولاية على العمل السياسي ولابد في الولاية من وجود شرط الاجتهاد ,أما باعتبار وجود الدليل على ذلك ,أو لأن المجتهد يمثل الفرد المتيقن من الأفراد الذي تم نصبهم للولاية في هذا المجال بحسب الاختلاف في الدليل الذي تستفاد منه هذه الأولوية .

ثانيا:

 أن تطبيق الأحكام الشرعية على مصاديقها في كثير من الموارد يحتاج إلى اجتهاد شرعي كما هو الحال في القاضي الذي لابد فيه أن يكون مجتهدا ً وعارفا بالحلال

والحرام مع أن دوره هو تطبيق الأحكام الشرعية (على كلام في الفقه حول هذا الموضوع ) .

ثالثا ً : أن معرفة الأهم والمهم من المصالح الاجتماعية قد يحتاج إلى اجتهاد أيضا ً ,

 لأن الأهم والمهم هنا هو الأهم في نظر الشارع المقدس ,وهو ما لايمكن لغير المجتهد أن يعرفه في بعض الأحيان ,وتوجد في هذا المجال نقاط دقيقة لايمكن تصويرها بالسؤال من المجتهد الآخر ,بل تحتاج  إلى درجة من الوثوق والاطمئنان بها,الأمر الذي لابد للقائد السياسي أن يتصف به

حتى يمكن أن ينقل ثقته إلى الناس ويعبئهم في حركته السياسية  باتجاه الأهداف ,وهذا إنما يتحقق في المجتهد – لافي المقلّد – الذي يحصل له عادة الوثوق بمطابقة قراره

للحكم الشرعي من خلال اجتهاده في الحكم وتشخيص الموضوع في الخارج وبذلك يتحمل مسؤوليته الشرعية والسياسية.

إن من أهم الأبعاد الرئيسية التي تختلف فيها المرجعية الدينية الفقهية عن المرجعية الدينية السياسية ,وقد كان هذا الموضوع والخوف من هذه الأخطار أحد أهم الأسباب التي دعت كثيرا من المراجع

الدينيين للتخلي عن العمل السياسي أو عدم الاستغراق فيه على الأقل احتياطا وتجنبا للوقوع تحت تأثير هذه الضغوط الكبيرة ,أما للأحساس بالخوف من الضعف أمامها ومن ثم الانزلاق أو بسبب عدم الخبرة السياسية وملابساتها ,أو تنزهاًً عن التلوث بها وما تقترن بها من شبهات واتهامات إلى غير ذلك من الأسباب

ولا شك أن ذلك إذا كان بسبب التقصير في أداء الحق العام في خدمة الإسلام والأمة والمسلمين ,وفي الدفاع عن المظلومين ,وفي تقديم المصلحة والأوضاع الخاصة للإنسان على المصلحة العامة فهو من أعظم المحرمات والآثام ,وأما إذا كان بسبب الإحساس بالقصور وعدم القدرة على ذلك فهو من الاحتياط المطلوب ,ولكن هذا العمل هو من الواجبات الكفائية ومن أشرف الأعمال ولابد من الإعداد روحيا ً وخبرويا ً وعلمياً .

وعلى أي حال فيمكن أن نشير إلى ضمانات مهمة لابد من رعاية توفيرها في المرجعية الدينية السياسية  والاهتمام بها سواء من قبل المتصدين أنفسهم أو من قبل المقلدين عندما يريدون الرجوع إلى المراجع السياسيين :

الأول :

 الشروط الذاتية المطلوبة في المرجعية الدينية التي أشرنا إليها سابقا ً ولاسيما (العدالة ) والتقوى العالية ليس في الجانب الفردي والسلوكي الخاص فحسب ,بل في الجانب السياسي الذي هو محل التمحيص والامتحان والابتلاء ,ومدى التزامه بالضوابط الشرعية الإسلامية فيه .

الثاني :

 الارتباط الفكري والسياسي بخط المرجعية الدينية وضرورة الانطلاق في العمل من إطارها الفكري والثقافي والعملي والإيمان بدور المرجعية في التأريخ الإسلامي وتاريخ أهل البيت

 وضرورة المحافظة على وجودها وكيانها ,أي الارتباط بخط العلماء الفقهاء والمبادىء التي ينطلق منها في حركته السياسية والاجتماعية بحيث يمثل امتداداً له في هذا التحرك  .

الثالث :

الارتباط بأجهزة المرجعية ومؤسساتها الشرعية (الحوزة العلمية ) والموقف الإيجابي العام له تجاهها بحيث لايكون مفارقا ً لجماعة المؤمنين بهذا الخط الإسلامي الذي يمثل جماعة أهل الحق ,إنما يتحرك ضمن الاجتهادات المشروعة المضبوطة السائدة في الحوزة العلمية ومحافظا ً على علاقته معها .

الرابع : الاتصاف بما يتطلب التصدّي للمرجعية الدينية السياسية من مواصفات مثل التضحية في سبيل الإسلام بالمصالح الخاصة من أجل المصالح العامة ,والصبر في سبيل الله ,والصمود على الضغوط الشخصية ومواجهتها بالحلم وسعة الصدر والتحمل والاحتساب عند الله تعالى ,والاستقامة في الموقف السياسية .... الخ .

الخامس :

الارتباط السياسي العام بمسيرة الولاية العامة للمسلمين .

وأخيرا ً لابد أن نوضح العلاقة بين المرجعية الدينية السياسية والمرجعية في الفتيا ؟

  بعد تقسيم الواجبات والحقوق والمساحات بينهما كما جاء في البدأ, يمكن أن يطرح هذا السؤال على أساس أنه قد يصدر المرجع في الفتيا فتوى لاتنسجم مع الموقف السياسي الذي تتخذه المرجعية السياسية والعلاقة بينهما .

لقد تناول هذا الموضوع سماحة (السيد الحائري ) في كتابه (ولاية الأمر في عصر الغيبة) ويحسن الرجوع إليه ,فهو حديث متين وصحيح ,ولكن يمكن أن نضيف إليه هنا بأن المرجعية

السياسية قبل قيام الدولة تتصف بالمرونة في التحرك أيضا وليست مثل الدولة التي لاتقبل إلا موقفا واحدا ً فإن فيما قبل قيام الدولة قد يتعدد الموقف السياسي , والمفروض أن يقدم الموقف السياسي الذي يشخّص المصلحة الإسلامية العليا نفسها والتي تتقدم بالأصل في باب (التزاحم ) على غيرها من المصالح ما لم تكن مفسدة مخالفة فتوى المرجع الديني أعظم من هذه المصلحة

أو مساوية لها بالخيار, وعلى أي حال فإذْا تم تثقيف الأمة على فكرة المرجعية السياسية الدينية فالمشكلة تُصبح محدودة أو معدومة بسبب تقسيم الواجبات والساحات من ناحية والمرونة في العمل من ناحية أخرى .

المصادر :

1-المرجعية الموضوعية الدينية السياسية (الاجتماعية ) 1419 ه- / 1377 ه. س.

2-إطلالة على السيرة الذاتية لسماحة آية الله المجاهد الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قده )تأليف محمد هادي .

3-حوارات لسماحة آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (قده ) .

4-القدوة الصالحة ودورها في عملية البناء – تأليف سماحة المرجع الديني اية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (قده ).

إعداد : إيمان صالح سريان

بغداد /الكرخ